على إثر الجدل الذي رافق انطلاق بثّ المسلسل التلفزيونيّ “براءة” على قناة الحوار التونسي منذ مطلع شهر رمضان الجاري وما تمّ طرحه من نقاش واسع حول التناول الدراميّ لمسألة “الزواج العرفيّ” في تونس، وتوقّف البعض عند ما قد يمثّله ذلك من تهديد لحقوق المرأة وانتهاك لمكاسبها ومسّ من كرامتها، يهمّ وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن التذكير بما يلي:

-إنّ حريّة الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة. ولا يجوز ممارسة رقابة قبليّة على هذه الحريّات بحكم الدستور. وإنّ الإنتاج الدراميّ، شأنه في ذلك شأن كلّ الأنماط والأشكال التعبيريّة والفنيّة والفكريّة الأخرى، أداة أساسيّة لممارسة هذه الحريّات، في كنف القانون والقبول باختلاف الآراء وتعدّدها. وإنّ من الوظائف الأساسيّة لكلّ عمل فنيّ كسر جدار الصمت الذي قد يحيط بالمسكوت عنه في السياقات المجتمعيّة، والتعاطي بجرأة وشجاعة لدى طرح القضايا الحارقة ومعالجتها نقديّا.

  • وإنّ تونس التي تعدّ منارة من منارات الحريّة والانتصار لحقوق المرأة وقيم المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين، ما انفكّت تعتزّ بإصدارها منذ سنة 1956 لمجلة الأحوال الشخصية التي حققت بها تونس ثورة كبيرة وتحوّلا نوعيا حضاريا ومكسبا مجتمعيّا متميّزا في إعادة البناء الرمزيّ لمكانة المرأة وأدوارها في الأسرة والمجتمع، حيث منعت المجلة تعدّد الزوجات ونصّت على معاقبة كل من يخترق هذا المنع بعقوبة جزائيّة، وجعلت الطلاق بيد المحكمة، وأقرت المساواة الكاملة بين الزوجين في كل ما يتعلق بأسباب الطلاق وإجراءاته وآثاره، كما أقرّت الزواج عبر اشتراط رضاء الزوجين، ومنعت إكراه الفتاة من الوليّ وتصدّت للزواج المبكّر عبر تحديد السنّ الدنيا للزواج، وجرّمت الزواج خارج إطار القانون (العرفي) وفرضته في صيغة مدنيّة رسميّة، وألغت واجب الطاعة الزوجيّة. وهي من المكاسب الرائدة التي يضمنها القانون وتحرص الدولة التونسيّة على مزيد تأصيلها ودعمها وإثرائها.
  • إنّ الزواج على خلاف الصيغ القانونية أو ما يعرف بالزواج العرفيّ يمثّل جريمة يدينها القانون، وأحد أوجه الإساءة لمكاسب المرأة التونسيّة وشكلا من أشكال الانتهاك الصارخ لمدنيّة الدولة ووجها من وجوه الإتّجار بالبشر والتهديد لحقوق النساء. وإنّ من دور الدراما والفنّ عموما المساهمة في التعريف بأركان هذه الجريمة وفضح ما يرافقها من تمثّلات خاطئة، وذلك في كنف الاحترام التام لآليّات التعديل والتعديل الذاتي وللقواعد والضوابط التي تنظّم الفضاء السمعي والبصري، وفي مقدّمتها نبذ العنف والغلوّ والتطرّف وحماية المصلحة الفضلى للطفولة. وإنّ البعد الوظيفيّ للفنّ يقتضي الانخراط في مسار المساواة بين الجنسين مع يستدعيه ذلك من تنشئة على قيم عدم التمايز على أساس الجنس، باعتبار أنّ الفنّ مؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعيّة.

واعتبارا لكلّ ذلك فإنّ وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ:

  • تؤكد التزام الدولة التونسيّة ب “حماية الحقوق المكتسبة للمرأة” والعمل على “دعمها وتطويرها واتّخاذ كافة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضدّ المرأة”.
  • تجدّد التأكيد أن “الزواج العرفيّ” هو زواج على خلاف الصيغ القانونيّة وجريمة يعاقب عليها القانون بعقوبة سالبة للحريّة طبقا للفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصيّة وللقانون عدد 3 لسنة 1957 المتعلّق بتنظيم الحالية المدنيّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الجريمة المذكورة لا ينطبق عليها الفصل 53 من القانون الجزائي والمتعلّق بظروف التخفيف.
  • تعرب عن ارتياحها لما عبّرت عنه شرائح واسعة من الشعب التونسي من رفض قاطع لجريمة الزواج على غير الصيغ القانونيّة، تأكيدا لتمسكّ التونسيّين بنموذجهم المجتمعي والحقوق المكتسبة للمرأة التونسيّة وقيم الجمهوريّة ومدنيّة الدولة.
  • تؤكد رفضها لكافة أوجه التطبيع مع جميع أشكال العنف الممارس ضد المرأة، وتدعو كلّ الفاعلين وفي مقدّمتهم مؤسسات الإعلام وأهل الفنّ والثقافة إلى المساعدة على تكريس الالتزام المجتمعيّ الشامل بتطبيق مقتضيات القانون 58 المتعلق بمناهضة العنف ضد المرأة.
  • تدعو الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري إلى ممارسة صلاحيّاتها لضمان احترام المعايير الخاصة بتصنيف الانتاجات الدراميّة وتحديد الفئات العمريّة المعنيّة بمشاهدتها والمواقيت المناسبة لبثّها، تحقيقا لمصلحة الطفل الفضلى، مذكّرة في هذا المجال بالدور المحوري للأسرة في حماية أبنائها.
  • تعلن اعتزامها تنظيم ندوة وطنيّة جامعة، في إطار مقاربتها التشاركيّة، قبل موفى السنة الجارية لتعميق النقاش بين كلّ الهياكل والجهات المعنيّة حول القضايا المتّصلة بالتعاطي الإعلاميّ مع قضايا المرأة والطفل واقتراح الحلول لأبرز التحدّيات القائمة، إيمانا بالدور التاريخي للنخب الفكريّة والفنيّة والعلميّة التونسيّة التي لطالما تبنّت النموذج المجتمعي المستنير الذي انطلق مساره بتونس منذ القرن 19.